فصل: الملك قلاوون وأبناؤه ومماليكه:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تاريخ الجبرتي المسمى بـ «عجائب الآثار في التراجم والأخبار» (نسخة منقحة)



.الملوك التركية:

ثم تولى سلطنة مصر عز الدين أيبك التركماني الصالحي سنة ثمان وأربعين وستمائة، وهو أول الدولة التركية بمصر. ولما قتل ولوا ابنه المظفر علي، فلما وقعت حادثة التتار العظمى خلع المظفر لصغره وتولى الملك المظفر قطز، وخرج بالعساكر المصرية لمحاربة التتار، فظهر عليهم وهزمهم ولم تقم لهم قائمة بعد ذلك بعد أن كانوا ملكوا معظم المعمور من الأرض وقهروا الملوك وقتلوا العباد وخربوا البلاد.
وفي سنة أربع وخمسين وستمائة ملكوا سائر بلاد الروم بالسيف وفي البحر. فلما فرغوا من ذلك صنيعه نزل هولاكو خان وهو ابن طولون بن جنكيز خان على بغداد، وذلك سنة ست وخمسين وهي إذ ذاك كرسي مملكة الإسلام ودار الخلافة فملكها، وقتلوا ونهبوا وأسروا من بها من جمهور المسلمين والفقهاء والعلماء والأئمة والقراء والمحدثين وأكابر الأولياء والصالحين، وفيها خليفة رب العالمين وإمام المسلمين وابن عم سيد المرسلين، فقتلوه وأهله وأكابر دولته، وجرى في بغداد ما لم يسمع بمثله في الآفاق. ثم أن هولاكو خان أمر بعد القتلى فبلغوا ألف ألف وثمانمائة ألف وزيادة، ثم تقدم التتار إلى بلاد الجزيرة واستولوا على حران والرها وديار بكر في سنة سبع وخمسين، ثم جاوزوا الفرات ونزلوا على حلب في سنة ثمان وخمسين وستمائة واستولوا عليها، وأحرقوا المساجد وجرت الدماء في الأزقة وفعلوا ما لم يتقدم مثله.
ثم وصلوا إلى دمشق وسلطانها الناصر يوسف بن أيوب فخرج هاربا وخرج معه أهل القدرة ودخل التتار إلى دمشق وتسلموها بالأمان، ثم غدروا بهم وتعدوها فوصلوا إلى نابلس ثم إلى الكرك وبيت المقدس، فخرج سلطان مصر بجيش الترك الذين تهابهم الأسود وتقل في أعينهم أعداد الجنود فالتقاهم عند عين جالوت، فكسرهم وشردهم وولوا الأدبار، وطمع الناس فيهم يتخطونهم. ووصلت البشائر بالنصر فطار الناس فرحاً.
ودخل المظفر إلى دمشق مؤيداً منصوراً وأحبه الخلق محبة عظيمة وساق بيبرس خلف التتار إلى بلاد حلب وطردهم وكان السلطان وعد بحلب ثم رجع عن ذلك. فتأثر بيبرس وأضمر له الغدر وكذلك السلطان، وأسر ذلك إلى بعض خواصه فأطلع بيبرس فساروا إلى مصر وكل منهما محترس من صاحبه، فاتفق بيبرس مع جماعة من الأمراء على قتل المظفر فقتلوه في الطريق.

.الملك بيبرس:

ودخل بيبرس مصر سلطاناً وتلقب بالملك الظاهر، وذلك سنة ثمان وخمسين وستمائة، وهو السلطان ركن الدين أبو الفتح بيبرس البندقداري الصالحي النجمي أحد المماليك البحرية، وعندما استقر بالقلعة أبطل المظالم والمكوس وجميع المنكرات وجهز الحج بعد انقطاعه اثنتي عشرة سنة بسبب فتنة التتار، وقتل الخليفة، ومنافقة أمير مكة مع التتار. فلما وصلوا إلى مكة منعوهم من دخول المحمل ومن كسوة الكعبة، فقال أمير المحمل لأمير مكة: أما تخاف من الملك الظاهر بيبرس؟ فقال: دعه يأتيني على الخيل البلق. فلما رجع أمير المحمل وأخبر السلطان بما قاله أمير مكة، جمع له في السنة الثانية أربعة عشر ألف فرس أبلق، وجهزهم صحبة أمير الحج وخرج بعدهم على ثلاث نوق عشاريات، فوافاهم عند دخولهم مكة وقد منعهم التتار وأمير مكة، فحاربوهم فنصرهم الله عليهم، وقتل ملك التتار وأمير مكة طعنه السلطان بالرمح وقال له: أنا الملك الظاهر جئتك على الخيل البلق. فوقع إلى الأرض وركب السلطان فرسه ودخل إلى مكة وكسا البيت وعاد إلى مصر واستقر ملكه حتى مات بدمشق سابع عشري المحرم سنة ست وسبعين وستمائة، ومدته سبع عشرة سنة وشهران واثنا عشر يوما، وحج سنة سبع وستين وستمائة.
ولذلك خبر طويل ذكره العلامة المقريزي في ترجمته في تواريخه وفي الذهب المسبوك، فيمن حج من الخلفاء والملوك، وكان من أعظم الملوك شهامة وصرامة وانقياداً للشرع، وله فتوحات وعمارات مشهورة ومآثر حميدة ومنها رد الخلافة لبني العباس، وذلك أنه لما جرى على بغداد وقتل الخليفة وبقيت ممالك الإسلام بلا خلافة ثلاث سنوات، حضر شخص من أولاد الخلفاء الفارين في الواقعة إلى عرب العراق ومعه عشرة من بني مهارش، فركب الظاهر للقائه ومعه القضاة وأهل الدولة فأثبت نسبه على يد قاضي القضاة تاج الدين بن بنت الأعز، ثم بويع بالخلافة فبايعه السلطان وقاضي القضاة والشيخ عز الدين بن عبد السلام ثم الكبار على مراتبهم، ولقب بالمستنصر وركب يوم الجمعة وعليه السواد إلى جامع القلعة وخطب خطبة بليغة ذكر فيها شرف بني العباس، ودعا فيها للسلطان وللمسلمين، ثم صلى بالناس ورسم بعمل خلعة خليفة إلى السلطان وكتب له تقليدا، وقرأ بظاهر القاهرة بحضرة الجمع وألبس الخليفة السلطان الخلعة بيده وفوض إليه الأمور وركب السلطان بالخلعة والتقليد محمول على رأسه، ودخل من باب النصر وزينت القاهرة والأمراء مشاة بين يديه ورتب له اتابكياً واستاداراً وخازنداراً وحاجباً وشرابياً وكاتباً وعين له خزانة وجملة مماليك ومائة فرس وثلاثين بغلاً وعشر قطارات جمال إلى أمثال ذلك.
ثم أنه عزم على التوجه إلى العراق فخرج معه السلطان وشيعه إلى دمشق وجهز معه ملوك الشرق صاحب الموصل وصاحب سنجار والجزيرة، وغرم عليه وعليهم ألف ألف دينار وستين ألف دينار وسافروا حتى تجاوزوا هيت فلاقاهم التتار فحاربوهم فعدم الخليفة ولم يعلم له خبر.
وبعد أيام حضر شخص آخر من بني العباس وكان أيضا مختفيا عند بني خفاجة، فتوصل مع العرب إلى دمشق وأقام عند الأمير عيسى بن مهنا فأخبر به صاحب دمشق فطلبه وكاتب السلطان في شأنه، فأرسل يستدعيه فأرسله مع جماعة من أمراء العرب فلما وصل إلى القاهرة وجد المستنصر قد سبقه بثلاثة أيام فلم ير أن يدخل إليها فرجع إلى حلب، فبايعه صاحبها ورؤساؤها، ومنهم عبد الحليم بن تيمية، وجمع خلقاً كثيراً وقصد عانة ولقب بالحاكم. فلما خرج المستنصر وافاه بعانة فانقاد له هذا ودخل تحت طاعته وخاصته، فلما قدم المستنصر قصد الحاكم الرحبة وجاء إلى عيسى ابن مهنا فكاتب الملك الظاهر فيه، فطلبه فقدم إلى القاهرة ومعه ولده وجماعته فأكرمه الملك الظاهر وبايعوه بالخلافة كما سبق للمستنصر، وأنزله بالبرج الكبير بالقلعة. واستمرت الخلافة بمصر وأقام الحاكم فيها نيفا وأربعين سنة وهذه من مناقب الملك الظاهر.

.الملك قلاوون وأبناؤه ومماليكه:

ولما مات الملك الظاهر تولى بعده ابنه الملك السعيد ثم أخوه الملك العادل، وكان صغيراً والأمر لقلاوون، فخلعه واستبد بالملك ولقب بالملك المنصور قلاوون الألفي الصالحي النجمي جد الملوك القلاوونية، وهو صاحب الخيرات والبيمارستان المنصوري والمدرسة والقبة التي دفن بها، وله فتوحات بسواحل البحر الرومي ومصافات مع التتار وغير ذلك. تولى سنة ثمان وسبعين وستمائة ومات أواخر مدته إحدى عشر سنة.
وتولى بعده ابنه الملك الأشرف خليل بن قلاوون وكان بطلاً شجاعاً ذا همة علية ورياسة مرضية، خانه أمراؤه وغدروه وقتلوه بترانة جهة البحيرة سنة ثلاث وتسعين وستمائة، ونقل لتربته التي أنشأها بالقرب من المشهد النفيسي بجانب مدرسة أخيه الصالح علي بن قلاوون. مات في حياة أبيه وكان هو أكبر أولاده مرشحاً للسلطنة.
ولما مات الأشرف تولى بعده أخوه الملك الناصر محمد بن قلاوون الألفي الصالحي النجمي. أقيم في السلطنة وعمره تسع سنين، فأقام سنة وخلع بمملوك أبيه زين الدين (كنبغا) الملك العادل، فثار الأمير حسام الدين لاجين المنصوري نائب السلطنة على العادل وتسلطن عوضه، ثم ثار عليه طغى وكبرى فقتلاه وقتلا أيضا. واستدعى الناصر من الكرك فقدم وأعيد إلى السلطنة مرة ثانية، فأقام عشر سنين وخمسة أشهر محجورا عليه، والقائم بتدبير الدولة الأميران بيبرس الجاشنكير وسلار نائب السلطنة، فدبر لنفسه في سنة ثمان وسبعمائة وأظهر أنه يريد الحج بعياله فوافقه الأميران على ذلك وشرعا في تجهيزه وكتب إلى دمشق والكرك برمي الإقامات، وألزم عرب الشرقية بحمل الشعير فلما تهيأ لذلك احضر الأمراء تقاد معهم الخيل والجمال، ثم ركب إلى بركة الحاج، وتعين معه للسفر جماعة من الأمراء. وعاد بيبرس وسلار من غير أن يترجلا له عند نزوله بالبركة فرحل من ليلته وخرج إلى الصالحية، وعيد بها، وتوجه إلى الكرك فقدمها في عاشر شوال ونزل بقلعتها وصرح بأنه قد ثنى عزمه عن الحج، واختار الإقامة بالكرك وترك السلطنة ليستريح، وكتب إلى الأمراء بذلك وسأل أن ينعم عليه بالكرك والشوبك وأعاد من كان معه من الأمراء وسلمهم الهجن وعدتها خمسمائة هجين والمال والجمال وجميع التقادم، وأمر نائب الكرك بالمسير عنه وتسلطن بيبرس الجاشنكير، وتلقب بالملك المظفر وكتب للناصر تقليداً بنيابة الكرك. فعندما وصله التقليد مع آل ملك، أظهر البشر وخطب باسم المظفر على منبر الكرك وأنعم على البريد الحاج آل ملك وأعاده، فلم يتركه المظفر وأخذ يناكده ويطلب منه من معه من المماليك الذين اختارهم للإقامة عنده والخيول التي أخذها من القلعة والمال الذي أخذه من الكرك. وهدده فحنق لذلك وكتب إلى نواب الشام يشكو ما هو فيه، فحثوه على القيام لأخذ ملكه ووعدوه بالنصرة فتحرك لذلك، وسار إلى دمشق وأتت النواب إليه: وقدم إلى مصر، وفر بيبرس وطلع الناصر إلى القلعة يوم عيد الفطر سنة تسع وسبعمائة، فأقام في الملك اثنتين وثلاثين سنة وثلاثة أشهر، ومات في ليلة الخميس حادي عشري ذي الحجة سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، وعمره سبع وخمسون سنة وكسور، ومدة سلطنته ثلاث وأربعون سنة وثمانية أشهر وتسعة أيام.
وكان ملكاً عظيماً جليلاً كفوءاً للسلطنة ذا دهاء محباً للعدل والعمارة، وطابت مدته وشاع ذكره وطار صيته في الآفاق وهابته الأسود وخطب له في بلاد بعيدة.
ومن محاسنه أنه لما استبد بالملك أسقط جميع المكوس من أعمال الممالك المصرية والشامية، وراك البلاد وهو الروك الناصري المشهود، وأبطل الرشوة وعاقب عليها فلا يتقلد المناصب إلا مستحقها بعد التروي والامتحان واتفاق الرأي، ولا يقضي إلا بالحق. فكانت أيامه سعيدة وأفعاله حميدة.
وفي أيامه كثرت العمائر، حتى يقال أن مصر والقاهرة زادا في أيامه أكثر من النصف، وكذلك القرى بحيث صارت كل بلدة من القرى القبلية والبحرية مدينة على انفرادها، وله ولأمرائه مساجد ومدارس وتكايا مشهورة وحضر في أوائل دولته القان غازات بجنود التتار فخرج إليهم بعساكر مصر وهزمهم مرتين. وبعض مناقبه تحتاج إلى طول ونحن لا نذكر إلا لمعاً فمن أراد الإطلاع عليها فعليه بالمطولات. وفي السيرة الناصرية مؤلف مخصوص مجلدان ضخمان ينقل عنه المؤرخون وللصفي الحلي فيه مرثية رائية بليغة نحو ستين بيتا.
ولما مات دفن على والده بالقبة المنصورية بين القصرين. وتولى من أولاده وأولاد أولاده اثنا عشر سلطانا، منهم السلطان حسن صاحب الجامع بسوق الخيل بالرميلة، ومن شاهده عرف علو همته بين الملوك، هو الذي ألف باسمه الشيخ بن أبي حجلة التلمساني كتبه العشرة، والتي منها ديوان الصبابة والسكردان وطوق الحمامة وحاطب ليل وقرع سن.
ومنهم الملك الأشرف شعبان بن حسين بن الملك الناصر محمد، وهو الذي أمر الأشراف بوضع العلامة الخضراء في عمائمهم وفي ذلك يقول بعضهم:
جعلوا لأبناء النبي علامة ** أن العلامة شأن من لم يشهر

نور النبوة في كريم وجوههم ** يغني الشريف عن الطراز الأخضر

وفي أيام الأشرف هذا قدمت الإفرنج إلى الإسكندرية على حين غفلة ونهبوا أموالها وأسروا نساءها، ووصل الخبر إلى مصر فتجهز الأشرف وسار بعساكره، فوجدهم قد ارتحلوا عنها وتركوها. ولهذه الواقعة تاريخ أطلعت عليه في مجلدين، ويقال أن الفرنساوي الذي يكون في أذنه قرط أمه أصلها من النساء المأسورات في تلك الواقعة.
وفي أيامه كثر عبث المماليك الأجلاب فأمر بإخراجهم من مصر فتجمعوا وعصوا فحاربهم وقاتلهم فانهزموا فقبض على كثير منهم، فقتل منهم طائفة وغرق منهم طائفة ونفى منهم طائفة، وبقي منهم بمصر طائفة التجئوا إلى بعض الأمراء، وهؤلاء المماليك كانوا من مماليك يلبغا العمري مملوك السلطان حسن، ومنهم صرغتمش واسند مروآلجاي اليوسفي، وهم كثيرون مختلفي الأجناس، ومنهم من جنس الجركس فلم يزالوا في اختلاف ومقت وهياج وحقد للدولة إلى أن تحيلوا وتراجعوا وتدخلوا في الدولة فاستقر أمرهم على أن طائفة منهم سكنوا بالطباق، ودخلوا في مماليك الأسياد أي أولاد السلطان، ومنهم من بقي أمير عشرة لا غير، ومنهم من انضم إلى المماليك السلطانية ومماليك الأمراء، وكانوا أرذل مذكور في الإقليم المصري.
فلما عزم الأشرف على الحج وأخذ في أسباب ذلك، انتهزوا عند ذلك الفرصة وكتموا أمرهم ومكروا مكرهم، وتواعدوا مع أصحابهم الذين بصحبة السلطان أنهم يثيرون الفتنة مع السلطان في العقبة، وكذلك المقيمون بمصر يفعلون فعلهم حتى ينقضوا نظام الدولة ويزيلوا السلطان والأمراء.
ولما خرج السلطان من مصر خرج في أبهة عظيمة وتجمل زائد، بعد أن رتب الأمور وأستخلف بمصر وثغورها من يثق به، وأخذ بصحبته من لا يظن فيه الخيانة، ومنهم جملة من الجلبان وأبقى منهم ومن غيرهم بمصر كذلك، ولا ينفع الحذر من القدر.
فلما خرج السلطان وبعد عن مصر أثاروا الفتنة بعد أن استمالوا طائفة من المماليك السلطانية، وفعلوا ما فعلوه ونادوا بموت السلطان وولوا أبنه، ووقفوا مستعدين منتظرين فعل أصحابهم الغائبين مع السلطان وثار أيضا أصحابهم على السلطان في العقبة فانهزم بعد أمور طالا المجيء إلى مصر، وصحبته الأمراء الكبار وبعض المماليك، ونهبت الخزينة والحج، وذهب البعض إلى الشام والبعض إلى الحجاز والبعض إلى مصر صحبة حريم السلطان، وجرى ما هو مسطر في الكتاب من ذبح الأمراء واختفاء السلطان وخنقه، وتمكن هؤلاء الأجلاب من الدولة، ونهبوا بيوت الأموال وذخائر السلطان واقتسموا محاظيه، وكذلك الأمراء، ووصل كل صعلوك منهم لمراتع الملوك وأزالوا عز الدولة القلاوونية، وأخذوا لأنفسهم الأمريات والمناصب، وأصبح الذين كانوا بالأمس أسفل الناس ملوك الأرض يجبى إليهم ثمرات كل شيء.

.الملوك الجراكسة:

ثم وقعت فيهم حوادث وحروب أسفرت عن ظهور برقوق الجركسي أحد مماليك يلبغا العمري واستقراره أميراً كبيراً. وكان غاية في الدهاء والمكر فلم يزل يدبر لنفسه حتى عزل بن الأشرف وأخذ السلطنة لنفسه وهو أول ملوك الجراكسة بمصر. وبالأشرف شعبان هذا وأولاده زالت دولة القلاوونية وظهرت دولة الجراكسة.
أولهم برقوق وبعده ابنه فرج واستمر الملك فيهم وفي أولادهم إلى الأشرف قانصوه الغوري، وابتداء دولتهم سنة أربع وثمانين وسبعمائة، وانقضاؤها سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة فتكون مدة دولتهم مائة سنة وتسعة وثلاثين سنة. وسبب انقضائها فتنة السلطان سليم شاه ابن عثمان وقدومه إلى الديار المصرية، فخرج إليه سلطان مصر قانصوه الغوري فلاقاه عند مرج دابق بحلب وخامر عليه أمراؤه خير بك والغزالي، فخذلوه وفقدوه ولم يزل حتى تملك السلطان سليم الديار المصرية والبلاد الشامية. وأقام خير بك نائبا بها كما هو مسطر ومفصل في تواريخ المتأخرين، مثل مرج الزهور لابن إياس وتاريخ القرماني وابن زتبل وغيرهم. وعادت مصر إلى النيابة كما كانت في صدر الإسلام، ولما خلص له أمر مصر عفا عمن بقي من الجراكسة وأبنائهم، ولم يتعرض لأوقاف السلاطين المصرية، بل قرر مرتبات الأوقاف والخيرات والعلوفات وغلال الحرمين والأنبار ورتب للأيتام والمشايخ والمتقاعدين ومصارف القلاع والمرابطين، وأبطل المظالم والمكوس والمغارم. ثم رجع إلى بلاده وأخذ معه الخليفة العباسي، وانقطعت الخلافة والمبايعة واخذ صحبته ما انتقاه من أرباب الصنائع التي لم توجد في بلاده بحيث أنه فقد من مصر نيف وخمسون صنعة.
ولما توفي تولى بعد ابنه المغازي السلطان سليمان عليه الرحمة والرضوان، فأسس القواعد وتمم المقاصد نظم الممالك وأنار الحوالك ورفع منار الدين وأخمد نيران الكافرين، وسيرته الجميلة أغنت عن التعريف، وتراجمه مشحونة بها التصانيف. ولم تزل البلاد منتظمة في سلكهم ومنقادة تحت حكمهم، من ذلك الأوان الذي استولوا عليها فيه إلى هذا الوقت الذي نحن فيه، وولاة مصر نوابهم وحكامهم أمراؤهم.
وكانوا في صدر دولتهم من خير من تقلد أمور الأمة بعد الخلفاء المهديين، وأشد من ذب عن الدين وأعظم من جاهد في المشركين. فلذلك اتسعت ممالكهم بما فتحه الله على أيديهم وأيدي نوابهم، وملكوا أحسن المعمور من الأرض ودانت لهم الممالك في الطول والعرض. هذا مع عدم إغفالهم الأمر وحفظ النواحي والثغور وإقامة الشعائر الإسلامية والسنن المحمدية، وتعظيم العلماء وأهل الدين وخدمة الحرمين الشريفين والتمسك في الأحكام والوقائع بالقوانين والشرائع. فتحصنت دولتهم وطالت مدتهم وهابتهم الملوك وانقاد لهم المالك والمملوك.
ومما يحسن إيراده هنا ما حكاه الأسحاقي في تاريخه، أنه لما تولى السلطان سليم ابن السلطان سليمان المذكور كان لوالده مصاحب يدعى شمسي باشا العجمي، ولا يخفى ما بين آل عثمان والعجم من العداوة المحكمة الأساس، فأقر السلطان سليم شمسي باشا العجمي مصاحباً على ما كان عليه أيام والده، وكان شمسي باشا المذكور له مداخل عجيبة وحيل غريبة يلقيها في قالب مرض ومصاحبة يسحر بها العقول، فقصد أن يدخل شيئا منكراً يكون سبباً لخلخلة دولة آل عثمان، وهو قبول الرشاوي من أرباب الولاة والعمال. فلما تمكن من مصاحبة السلطان قال له على سبيل العرض: عبدكم فلان المعزول من منصب كذا وليس بيده منصب الأن قصده من فيض إنعامكم عليه المنصب الفلاني ويدفع إلى الخزينة كذا وكذا. فلما سمع السلطان سليم ما أبداه شمسي باشا علم أنها مكيدة منه وقصده إدخال السوء بيت آل عثمان، فتغير مزاجه وقال له: يا رافضي تريد أن تدخل الرشوة بيت السلطنة حتى يكون ذلك سببا لأزالتها. وأمر بقتله فتلطف به وقال له: يا باشا لا تعجل هذه وصية والدك لي فإنه قال لي أن السلطان سليم صغير السن وربما يكون عنده ميل للدنيا، فاعرض عليه هذا الأمر فإن جنح إليه فامنعه بلطف فإن أمتنع فقل له هذه وصية والدك فدم عليها، ودعا له بالثبات وخلص من القتل.
فانظر يا أخي وتأمل فيما تضمنته هذه الحكاية من المعاني. وأقول بعد ذلك يضيق صدري ولا ينطلق لساني وليس الحال لمجهول حتى يفصح عنه اللسان بالقول وقد أخرسني العجز أن أفتح فما أفغير الله أبتغي حكماً. وفي أثناء الدولة العثمانية ونوابهم وأمرائهم المصرية، ظهر في عسكر مصر سنة جاهلية وبدعة شيطانية زرعت فيهم النفاق وأسست فيما بينهم الشقاق، ووافقوا فيها أهل الحرف اللئام في قولهم سعد وحرام، وهو أن الجند بأجمعهم اقتسموا قسمين واحتزبوا بأسرهم حزبين: فرقة يقال لها فقارية وأخرى تدعى قاسمية، ولذلك أصل مذكور وفي بعض سير المتأخرين مسطور لا بأس بإيراده في المسامرة تتميما للغرض في مناسبة المذاكرة، وهو أن السلطان سليم شاه لما بلغ من ملك الديار المصرية مناه وقتل من قتل من الجراكسة وسامهم في سوق المواكسة، قال يوماً لبعض جلسائه وخاصته وأصدقائه: يا هل ترى هل بقي أحد من الجراكسة نراه، وسؤال من جنس ذلك ومعناه. فقال له خير بك: نعم أيها الملك العظيم هنا رجل قديم يسمى سودون الأمير طاعن في السن كبير، رزقه الله تعالى بولدين شهمين بطلين لا يضاهيهما أحد في الميدان ولا يناظرهما فارس من الفرسان. فلما حصلت هذه القضية تنحى عن المفارشة بالكلية وحبس ولديه بالدار وسد أبوابه بالأحجار، وخالف العادة واعتكف على العبادة. وهو إلى الآن مستمر على حالته مقيم في بيته وراحته. فقال السلطان: هذا والله رجل عاقل خبير كامل ينبغي لنا أن نذهب لزيارته ونقتبس من بركته وإشارته، قوموا بنا جملة نذهب إليه على غفلة لكي أتحقق المقال وأشاهده على أي حالة هو من الأحوال. ثم ركب في الحال ببعض الرجال إلى أن توصل إليه ودخل عليه، فوجده جالسا على مسطبة الإيوان وبين يديه المصحف وهو يقرأ القرآن، وعنده خدم واتباع وعبيد ومماليك أنواع، فعندما عرف أنه السلطان بادر لمقابلته بغير توان وسلم عليه ومثل بين يديه، فأمره بالجلوس ولاطفه بالكلام المأنوس إلى أن اطمأن خاطره وسكنت ضمائره، فسأله عن سبب عزلته وامتناعه عن خلطته بعشيرته، فأجابه أنه لما رأى في دولتهم اختلال الأمور وترادف الظلم والجور وأن سلطانهم مستقل برأيه فلم يصغ إلى وزير ولا عاقل مشير، وأقصى كبار دولته وقتل أكثرهم بما أمكنه من حيلته وقلد مماليكه الصغار مناصب الأمراء الكبار ورخص لهم فيما يفعلون وتركهم وما يفترون، فسعوا بالفساد وظلموا العباد وتعدوا على الرعية حتى في المواريث الشرعية، فانحرفت عنه القلوب وابتهلوا إلى علام الغيوب، فعلمت أن أمره في أدبار ولابد لدولته من الدمار، فتنحيت عن حال الغرور وتباعدت عن نار الشرور، ومنعت ولدي من التداخل في الأهوال وحبستهما عن مباشرة القتال خوفاً عليهما، لما أعلمه فيهما من الأقدام، فيصيبهما كغيرهما من البلاء العام. فإن عموم البلاء منصوص واتقاء الفتن بالرحمة مخصوص. ثم أحضر ولديه المشار إليهما وأخرجهما من محبسهما، فنظر إليهما السلطان فرأى فيهما مخايل الفرسان الشجعان وخاطبهما فأجاباه بعبارة رقيقة وألفاظ رشيقة، ولم يخطئا في كل ما سألهما فيه ولم يتعديا في الجواب فضل التشبيه والتنبيه، ثم أحضروا ما يناسب المقام من موائد الطعام، فأكل وشرب ولذ وطاب، وحصل له مزيد الانشراح وكمال الارتياح. وقدم الأمير سودون إلى السلطان تقادم وهدايا وتفضل عليه الخان أيضا بالأنعام والعطايا، وأمر بالتوقيع لهم حسب مطالبهم. ورفع درجة منازلهم ومراتبهم، ولما فرغ من تكرمه وإحسانه ركب عائداً إلى مكانه وأصبح ثاني يوم ركب السلطان مع القوم، وخرج إلى الخلا بجمع من الملا، وجلس ببعض القصور ونبه على جميع أصناف العساكر بالحضور، فلم يتأخر منهم أمير ولا كبير ولا صغير، فطلب الأمير سودون وولديه، فحضرا بين يديه فقال لهم: أتدرون لم طلبتكم وفي هذا المكان جمعتكم. فقالوا: لا يعلم ما في القلوب إلا علام الغيوب فقال: أريد أن يركب قاسم وأخوه ذو الفقار ويترامحا ويتسابقا بالخيل في هذا النهار. فامتثلا أمره المطاع لأنهما صارا من الجند والأتباع فنزلا وركبا ورمحا ولعبا واظهرا من أنواع الفروسية الفنون، حتى شخصت فيهما العيون، وتعجب منهما الأتراك لأنهم ليس لهم في ذلك الوقت أدراك. ثم أشار إليهما فنزلا عن فرسيهما وصعدا إلى أعلى المكان فخلع عليهما السلطان وقلدهما أمارتان، ونوه بذكرهما بين الأقران، وتقيدا بالركاب ولازما في الذهاب والإياب. ثم خرج في اليوم الثاني وحضر الأمراء والعسكر المتواني، فأمرهم أن ينقسموا بأجمعهم قسمين وينحازوا بأسرهم فريقين، قسم يكون رئيسهم ذو الفقار والثاني أخوه قاسم الكرار. وأضاف إلى ذو الفقار أكثر فرسان العثمانيين وإلى قاسم أكثر الشجعان المصريين، وميز الفقارية بلبس الأبيض من الثياب وأمر القاسمية أن يتميزوا بالأحمر في الملبس والركاب. وأمرهم أن يركبوا في الميدان على هيئة المتحاربين وصورة المتنابذين المتخاصمين، فأذعنوا بالانقياد وعلوا على ظهور الجياد وساروا بالخيل وانحدروا كالسيل، وانعطفوا متسابقين ورمحوا متلاحقين، وتناوبوا في النزال واندفعوا كالجبال، وساقوا في الفجاج وأثاروا العجاج، ولعبوا بالرماح وتقابلوا بالصفاح، وارتفعت الأصوات وكثرت الصيحات، وزادت الهيازع وكثرت الزعازع، وكاد الخرق يتسع على الراقع وقرب أن يقع القتل والقتال فنودي فيهم عند ذلك بالانفصال. فمن ذلك اليوم افترق أمراء مصر وعساكرها فرقتين واقتسموا بهذا اللعبة حزبين. واستمر كل منهم على محبة اللون الذي ظهر فيه وكره اللون الآخر في كل ما يتقلبون فيه، حتى أواني المتناولات والمأكولات والمشروبات والفقارية يميلون إلى نصف سعد والعثمانيين، والقاسمية لا يألفون النصف حرام والمصريين. وصار فيهم قاعدة لا يتطرقها اختلال ولا يمكن الانحراف عنها بحال من الأحوال، ولم يزل الأمر يفشو ويزيد ويتوارثه السادة والعبيد حتى تجسم ونما واهريقت فيه الدماء. فكم خربت بلاد وقتلت أمجاد وهدمت دور وأحرقت قصور وسبيت أحرار وقهرت أخيار. دا بالركاب ولازما في الذهاب والإياب. ثم خرج في اليوم الثاني وحضر الأمراء والعسكر المتواني، فأمرهم أن ينقسموا بأجمعهم قسمين وينحازوا بأسرهم فريقين، قسم يكون رئيسهم ذو الفقار والثاني أخوه قاسم الكرار. وأضاف إلى ذو الفقار أكثر فرسان العثمانيين وإلى قاسم أكثر الشجعان المصريين، وميز الفقارية بلبس الأبيض من الثياب وأمر القاسمية أن يتميزوا بالأحمر في الملبس والركاب. وأمرهم أن يركبوا في الميدان على هيئة المتحاربين وصورة المتنابذين المتخاصمين، فأذعنوا بالانقياد وعلوا على ظهور الجياد وساروا بالخيل وانحدروا كالسيل، وانعطفوا متسابقين ورمحوا متلاحقين، وتناوبوا في النزال واندفعوا كالجبال، وساقوا في الفجاج وأثاروا العجاج، ولعبوا بالرماح وتقابلوا بالصفاح، وارتفعت الأصوات وكثرت الصيحات، وزادت الهيازع وكثرت الزعازع، وكاد الخرق يتسع على الراقع وقرب أن يقع القتل والقتال فنودي فيهم عند ذلك بالانفصال. فمن ذلك اليوم افترق أمراء مصر وعساكرها فرقتين واقتسموا بهذا اللعبة حزبين. واستمر كل منهم على محبة اللون الذي ظهر فيه وكره اللون الآخر في كل ما يتقلبون فيه، حتى أواني المتناولات والمأكولات والمشروبات والفقارية يميلون إلى نصف سعد والعثمانيين، والقاسمية لا يألفون النصف حرام والمصريين. وصار فيهم قاعدة لا يتطرقها اختلال ولا يمكن الانحراف عنها بحال من الأحوال، ولم يزل الأمر يفشو ويزيد ويتوارثه السادة والعبيد حتى تجسم ونما واهريقت فيه الدماء. فكم خربت بلاد وقتلت أمجاد وهدمت دور وأحرقت قصور وسبيت أحرار وقهرت أخيار.
وقيل غير ذلك وأن أصل القاسمية ينسبون إلى قاسم بك الدفتردار تابع مصطفى بك، والفقارية نسبة إلى ذي الفقار بك الكبير، وأول ظهور ذلك من سنة خمسين وألف والله أعلم بالحقائق. وأتفق أن قاسم بك المذكور أنشأ في بيته قاعة جلوس وتأنق في تحسينها وعمل فيها ضيافة لذي الفقار بك أمير الحاج المذكور، فأتى عنده وتغدى عنده بطائفة قليلة ثم قال له ذو الفقار بك: وأنت أيضا تضيفني في غد، وجمع ذو الفقار مماليكه في ذلك اليوم صناجق وأمراء واختيارية في الوجاقات وحضر قاسم بك بعشرة من طائفته واثنين خواسك خلفه والسعاة والسراج، فدخل عنده في البيت وأوصى ذو الفقار أن لا أحد يدخل عليهما إلا بطلب، إلى أن فرشوا السماط وجلس صحبته على السماط. فقال قاسم بك: حتى يقعد الصناجق والاختيارية. فقال ذو الفقار: أنهم يأكلون بعدنا هؤلاء جميعهم مماليكي عندما أموت يترحمون علي ويدعون لي وأنت قاعتك تدعو لك بالرحمة لكونك ضيعت المال في الماء والطين. فعند ذلك تنبه قاسم بك وشرع ينشئ إشراقات، كذلك وكانت الفقارية موصوفة بالكثرة والكرم، والقاسمية بكثرة المال والبخل. وكان الذي يتميز به أحد الفريقين من الآخر إذا ركبوا في المواكب أن يكون بيرق الفقاري أبيض ومزاريقه برمانة، وبيرق القاسمية أحمر ومزاريقه بجلبة. ولم يزل الحال على ذلك.
واستهل القرن الثاني عشر، وأمراء مصر فقارية وقاسمية: فالفقارية ذو الفقار بك وإبراهيم بك أمير الحاج ودرويش بك وإسمعيل بك ومصطفى بك قزلار وأحمد بك قزلار بجدة ويوسف بك القرد وسليمان بك بارم ذيله ومرجان جوزبك كان أصله قهوجي السلطان محمد قلدوه صنجقا فقاريا بمصر، الجميع تسعة وأمير الحاج منهم، والقاسمية مراد بك الدفتر دار ومملوكه إيواظ بك وإبراهيم بك أبو شنب وقانصوه بك وأحمد بك منوفيه وعبد الله بك. ونواب مصر من طرف السلطان سليمان بن عثمان في أوائل القرن، حسن باشا السلحدار سنة تسع وتسعين وألف وسنة مائة وواحد بعد الألف والسلطان في ذلك الوقت السلطان سليمان بن إبراهيم خان وتقلد إبراهيم بك أبو شنب إمارة الحاج وإسمعيل بك الدفتردار وذلك سنة تسع وتسعين.
وفي أواخر الحجة سنة تسع وتسعين وألف حصلت واقعة عظيمة بين إبراهيم بك ابن ذي الفقار وبين العرب الحجازيين خلف جبل الجيوشي وقتلوا كثيراً من العرب ونهبوا أرزاقهم ومواشيهم، وأحضر منهم أسرى كثيرة ووقفت العرب في طريق الحج تلك السنة بالشرفة فقتلوا من الحاج خلقاً كثيراً وأخذوا نحو ألف جمل بأحمالها، وقتلوا خليل كتخدا الحج فعين عليهم خمسة أمراء من الصناجق فوصلوا إلى العقبة وهرب العربان. وفي أيامه سافر ألفاً شخص من العسكر وألبسوا عليهم مصطفى بك طكوز جلان وسافروا إلى ادرنه في غرة جمادى الأولى سنة مائة وألف. وفي رابع جمادى الثانية خنق الباشا كتخدا بعد أن أرسله إلى دير الطين على أنه يتوجه إلى جرجا لتحصيل الغلال وذلك لذنب نقمه عليه.
وفي شعبان نقب المحابيس العرقانة وهرب المسجونون منها.
وفي أيامه غلت الأسعار مع زيادة النيل وطلوعه في أوانه على العادة ثم عزل حسن باشا ونزل إلى بيت محمد بك حاكم جرجا المقتول وتولى قيطاس بك قائمقام فكانت مدته هذه المرة سنة واحدة وتسعة أشهر. ثم تولى أحمد باشا وكان سابقا كتخدا إبراهيم باشا الذي مات بمصر وحضر أحمد باشا من طريق البر وطلع إلى القلعة في سادس عشر المحرم سنة مائة وإحدى وألف، ووصل آغا بطلب ألفي عسكري وعليهم صنجق يكون عليهم سر دار فعينوا مصطفى بك حاكم جرجا سابقاً، وسافر في منتصف جمادى الآخرة.
وفي هذا التاريخ سافرت تجريدة عظيمة إلى ولاية البحيرة والبهنسا وعليهم صنجقان، وتوجهوا في ثاني عشر جمادى الآخرة وسافر أيضا خلفهم إسمعيل بك وجميع الكشاف وكتخدا الباشا وأغوات البلكات وكتخدا الجاويشية وبعض اختيارية، وحاربوا ابن وافي وعربانه مراراً ثم وقعت بينهم وقعة كبيرة فهزم فيها الأحزاب وولوا منهزمين نحو الغرق، وأما قيطاس بك وحسن آغا بلغيا وكتخدا الباشا فأنهم صادفوا جمعاً من العرب في طريقهم فأخذوهم ونهبوا مالهم وقطعوا منهم رؤوساً، ثم حضر والي مصر. وفي أنامهم كانت وقعة ابن غالب شريف مكة ومحاربته بها مع محمد بك حاكم جدة فكانت الهزيمة على الشريف.
وتولى السيد محسن بن حسين بن زيد إمارة مكة ونودي بالأمان بعد حروب كثيرة، وزينت مكة ثلاثة أيام بلياليها، وذلك في منتصف رجب، ومرض أحمد باشا وتوفي ثاني عشر جمادى الآخرة سنة اثنتين ومائة وألف، ودفن بالقرافة فكانت مدته سنة واحدة وستة أشهر. ومن مآثره ترميم الجامع المؤيدي وقد كان تداعى إلى السقوط فأمر بالكشف عليه وعمره ورمه. وفي رابع عشر رجب توفي قيطاس بك الدفتر دار. وفي ثاني يوم حضر قانصوه بك تابع المتوفى من سفره بالخزينة مكان كتخدا الباشا المتولي قائمقام، بعد موت سيده، فألبس قانصوه بك دفتردار ثم ورد مرسوم بولاية علي كتخدا الباشا قائمقام، وأذن بالتصرف إلى آخر مسرى فكانت مدة تصرفه أربعة وتسعين يوماً، ثم تولى علي باشا وحضر من البحر إلى القلعة في ثاني عشر رمضان سنة اثنتين ومائة وألف، وحضر صحبته تترخان وأقام بمصر إلى أن توجه إلى الحج ورجع على طريق الشام. وفي ثاني عشر القعدة حضر قرا سليمان من الديار الرومية ومعه مرسوم مضمونه الخبر بجلوس السلطان أحمد بن السلطان إبراهيم، فزينت مصر ثلاثة أيام وضربت مدافع من القلعة. وفي ثالث عشر صفر سنة ثلاث ومائة وألف ورد نجاب من مكة وأخبر بان الشريف سعد تغلب على محسن وتولى إمارة مكة فأرسل الباشا عرضاً إلى السلطنة بذلك. وفي ثامن ربيع أول ورد مرسوم مضمونه ولاية نظر الدشابش والحرمين لأربعة من الصناجق، فتولى إبراهيم بك ابن ذي الفقار أمير الحج حالاً عوضاً عن اغات مستحفظان ومراد بك الدفتردار على المحمدية عوضاً عن كتخدا مستحفظان، وعبد الله بك على وقف الخاصكية عوضاً عن كتخدا العزب، وإسمعيل بك على أوقاف الحرمين عوضاً عن باش جاويش مستحفظان. فألبسهم علي باشا قفاطين على ذلك.
وفي مستهل رمضان من السنة حضر من الديار الرومية الشريف سعد بن زيد بولاية مكة وتوجه إلى الحجاز. وفي شهر شوال سافر علي كتخدا أحمد باشا المنوفي إلى الروم. وفي تاريخه تقلد إسمعيل بك الدفتردارية عوضا عن مراد بك. وفي ثالث عشر شوال قتل جلب خليل كتخدا مستحفظان ببابهم وحصلت في بابهم فتنة أثارها كحك محمد وأخرجوا سليم أفندي من بلكهم ورجب كتخدا والبسوهما الصنجقية في ثالث عشرينه، وأبطل كجك محمد الحمايات من مصر باتفاق السبع بلكات، وأبطلوا جميع ما يتعلق بالعزب والإنكشارية من الحمايات بالثغور وغيرها. وكتب بذلك بيورلدي ونادوا به في الشوارع.
وفي غرة القعدة قبض الباشا على سليم أفندي وخنقه بالقلعة ونزل إلى بيته محمولاً في تابوت، وتغيب رجب كتخدا ثم استعفى من الصنجقية فرفعوها عنه وسافر إلى المدينة. وفي ثامن عشر ربيع الأول ورد مرسوم بتزيين الأسواق بمصر وضواحيها بمولودين توأمين رزقهما السلطان أحمد سمي أحدهما سليمان والآخر إبراهيم. وفي ثاني عشر شعبان سافر حسين بك أبو يدك بألف نفر من العسكر لاحقاً بإبراهيم بك أبي شنب وقد كان سافر في أواخر ربيع الأول لقلعة كريد. وفي ثاني عشر رمضان سنة خمس ومائة وألف الموافق الحادي عشر بشنس، هبت ريح شديدة وتراب أظلم منه الجو وكان الناس في صلاة الجمعة فظن الناس أنها القيامة وسقطت المركب التي على منارة جامع طولون وهدمت دوركثيرة.